ابحث في الموقع
    
فعاليات الكلية
 

: مؤتمرات
:: ندوات
:: النتاج العلمي
:: نشاطات

 
مجلة الكلية
 

:: عن المجلة
:: هيئة التحرير
:: شروط النشر
:: أعداد المجلة
:: الاشتراك في المجلة

 
اكاديمية تقانة المعلومات
 

صورة

 
المكتبة الافتراضية
 

 
صور منتقاة
   
التصويت
 
التصويت العام
ثالثاً
ثانياً
اولاً
 
حالة الطقس
   
مركز الأخبار / اخبار عامة / أجراء مقابلة مع مجلة الجامعة الاردنية


أجراء مقابلة مع مجلة الجامعة الاردنية
2014-03-30 12:03:30

مقابلة صحفية مع الدكتور حسيب حديد من العراق

مجلة الجامعة الاردنية

اجرى الحوار الدكتور فاتح عبد السلام

لورنس العرب بين الحقيقة والخيال

*

 

من هو لورنس العرب ، وما هي قصته ...؟! وإلى أي مدى نسج الخيال فصولها...؟! وكم هي نسبة الحقيقة فيها ...؟! وما هي ظروف تدبيج كتابه الشهير " أعمدة الحكمة السبعة " ...؟!

أسئلة كثيرة يتشابك فيها الحديث عن تلكم الشخصية التي تحولت إلى أسطورة ، والتي لا أحد يعرف كيف تشكلت ، وما هو دورها التأريخي الحقيقي ...؟! إلاّ أن باحثاً عراقياً في جامعة الموصل تصدى لهذا الموضوع دارساً له طوال سنوات خمس ، منقباً في سجلات الديبلوماسية ودفاتر المذكرات الشخصية للسياسيين والقادة ... حتى استطاع أن يقدم إضاءة صادقة عن حقيقة لورانس ودوره في المنطقة العربية أثناء تشكيل واحدة من مراحل التأريخ المهمة ...

لقد أعطى الباحث الدكتور حسيب الياس حديد ، القيمة الأدبية لكتاب " أعمدة الحكمة السبعة " بعد أن تنقل بين أكثر من عاصمة عربية ومدينة أوروبية ، إلاّ أن محطته المستمرة كانت باريس ... منها انطلق ... وإليها عاد ... بالصيد الثمين ...!

 

وقبل إجراء الحوار مع الباحث الذي قدّم عن لورنس اطروحته " دكتوراه باللغة الفرنسية " ، يجدر بنا أن نقدّم بعض المعلومات الأساس في أصل ولادة لورانس وظروف نشأته كما ورد ذلك في المقابلة . 

هو توماس ادوارد لورنس ، ولد سنة 1888في تريما دوك في بلاد الغال ، وتلقى علومه في أوكسفورد مهتماً بدراسة التأريخ . جاء إلى الشرق الأوسط لأول مرة سنة 1909، فزار سوريا ولبنان وفلسطين ... ثم قام بزيارته الثانية إلى المنطقة ذاتها سنة 1910مع رفيقه (هوغارث) عاملين سوية في التنقيبات الأثرية في (قرقميش) ، ثم انضمّ لورنس إلى قسم الخرائط في مصر عند اندلاع نيران الحرب العالمية الأولى . وبعدها التحق بالمكتب العربي في القاهرة ، ترقى بعدها إلى رتبة رائد في الجيش البريطاني في 17كانون الأول سنة 1917ليعمل فيما بعد ضابطاً للارتباط إبان قيام الثورة العربية بزعامة الشريف الحسين بن علي أمير مكة . ثم شارك في مؤتمر السلام في فرساي وهو برتبة عقيد سنة 1919ليغدو فيما بعد مستشاراً لونستون تشرشل للشؤون العربية سنة 1921. إلا أنه استقال فجأة من منصبه في 17كانون الثاني سنة 1922ليتطوع في القوة الجوية الملكية البريطانية برتبة جندي .... ويبقى في هذه الخدمة حتى شهر آذار من سنة 1935بعد أن اتخذ لنفسه اسماً مستعاراً لم يكشف عنه حتى مماته . وفي الثالث عشر من مارس سنة 1935لقي لورانس حتفه في حادث سيارة غامض .

يقول المحاور فاتح عبد السلام في مقدمته وقبل إجراء الحوار مع الباحث المتخصص :

" لنضع أمام الباحث أسئلة نتوخى منها كشف الحقائق ونشر المعلومات كيما نسطّرها أمام التأريخ في ميزان التمحيص والاستدلال " ...

س. ما هو الإطار الزمني الذي كتب فيه لورنس كتابه الشهير " أعمدة الحكمة السبعة " ...؟!

ج. بدأ لورنس بتأليف كتابه بعد انتهاء مؤتمر السلام في فرساي سنة 1919، والذي استغرقه قرابة خمسة شهور ، إلا أن المسودات كانت قد فقدت أثناء توقفه في مدينة (ريدنج Reading) الإنكليزية عند سفره من لندن إلى أوكسفورد . وقد كتبت عشرات المقالات التي تعالج قضية فقدان مسودات الكتاب ... بل أثار ذلك جدلاً كبيراً في أوساط المحللين ، وثارت شتى الاحتمالات ، إلاّ أن التأويل الأقرب إلى الحقيقة يكمن في ظننا في أن هذه المسودات كانت قد سرقت ، ومن ثم أودعت في أرشيف لدى وزارة الخارجية البريطانية، نظراً لما تتضمنه من معلومات تضر بالمصالح البريطانية العليا ، كما تشير إلى ذلك الصفحات القليلة جداً التي تسربت منها فيما بعد .

    وبعد إلحاح من أصدقاء لورنس ومعارفه ، أعاد تأليف كتابه المفقود معتمداً في ذلك على ذاكرته . وفي سنة 1921أعاد كتابة الكتاب للمرة الثالثة لتنتهي المحاولة الرابعة والأخيرة في تأليف الكتاب سنة 1927، ليتم نشره وتوزيعه على المستوى العالمي – بعد وفاته – بأشهر ولأول مرة سنة 1935.

يقول الباحث حسيب حديد :قمت بدراسة تفاصيل هذا الكتاب بعد مراجعة نسخ عدة ، واعتمدت النسخة الأصلية كوني قد حصلتُ على بيان رسمي من مركز توثيق الرسائل الجامعية في باريس يفيدني فيها بأن دراستي هذه هي الأولى من نوعها على الإطلاق ، وكان ذلك في مطلع سنة 1981" .

 

س. كيف نستطيع وصف الكتاب من طرف منهجه ، وصولاً إلى معرفة مادته ومحتوياته ؟

ج. يبدو كتاب " أعمدة الحكمة السبعة " لأي باحث متمعن وللوهلة الأولى وكأنه سردٌ لأحداث تأريخية وثائقية تسجيلية في منطقة الجزيرة العربية خلال السنوات 1918-1916... إلاّ أن ما تضمّنه هذا الكتاب من أفكار وخواطر ومناقشات تصل إلى حد الفلسفة والتنظير ، يبدو أعمق وأشمل من ذلك بكثير . فقد أراد لورانس بادئ ذي بدء أن يكشف النقاب عن مؤهلاته الأدبية ، طامحاً من وراء ذلك أن يضعه المؤرخون في مصاف كتّاب الرحلات الذين سبقوه وانتشرت أسماؤهم في أرجاء الكرة الأرضية على نحو عام والعالم الغربي على نحوٍ خاص ، وفيهم : تشارلس دوتي ، ولامارتين ، وشاتوبريان ، وفلوبير ، ونيدفال ... أولئك الذين زاروا الشرق وفاتتنوا فيه أشد افتتان  ، ووضعوا كل ذلك في نتاجاتهم الأدبية لاحقاً .

     ونحن نقول : ومن وجهة نظر أدبية بحتة ، أن كتاب لورانس يحمل بين جنباته معانٍ كثيرة ومتشعبة ابتداءً من العنوان الرمزي ، وانتهاءً بالخاتمة . فهو يبدو لنا ذو قيمة عالية، إذ يقع في 122فصلاً موزعة عبر عشرة أقسام ، تتخللها مواضيع شتى منها ما يتعلق بالإطار العام أي الأحداث التأريخية ، ومنها ما يتعلق بخصوصية الحضارة العربية ، ومنها ما يتعلق بطبيعة المجتمع العربي ، ومنها ما يتعلق بالسيرة الذاتية لكاتب الكتاب .

ان المتمعن في قراءة كلمات لورانس يجده يتحدث عن نفسه بقدر تحدثه عن مواضيع أخرى ، وهذا يدل على نرجسية كبيرة طغت على شخصية لورنس . لقد استخدم الكاتب في تدبييج كتابه أساليب أدبية متعددة ، فيها الوصفي والعاطفي والملحمي والسردي والحواري وغيرها ، يعتمد كل منها على طبيعة الموضوع الذي تتم مناقشته . كما كان للورنس أدوار مغايرة في طبية السرد ... فهو يقوم بدور الراوي مرة ، والمعلّق مرة أخرى ، فضلاً عن انه كان قد وضع لنفسه الشخصية القيادية الرئيسة الفاعلة .

ويبقى التساؤل قائماً بخصوص تصنيف الكتاب ...! أهو رواية تأريخية ، أو ملحمة ، أو سيرة ذاتية ، أو هو أحد كتب الاستشراق ...؟! وهل يمكن أن يعد كتاباً يدخل في أبواب تحليلات علم النفس ...؟! لقد تصدينا لهذه القضية الشائكة وتوصلنا إلى حقيقة نهائية مفادها أن الكتاب يدخل ضمن جميع ما ذكر في أعلاه ، بذلك نكون قد وضعنا الكتاب ضمن نمط الأدب العالمي دون تحديد لأي جنس أدبي هو منه ...

س . ما هو موقع كتاب " أعمدة الحكمة السبعة " في ذاكرة الثقافة العالمية ؟

ج. تم اختيار كتاب " أعمدة الحكمة السبعة " ضمن أفضل مئة كتاب في العالم على وفق انتقاء الكتب للمكتبة المثالية التي أعدها " ريموند كينو " (Remond Keno). فقد ذكر " رينيه اتيانبل " أن كتاب لورانس نال المرتبة السابعة والسبعين على وفق ذلك التصنيف، وهذا يدل دلالة بالغة على الأهمية التي يتمتع بها مؤلف لورنس ، والذي تمت ترجمته إلى ثلاثة عشرة لغة ، وفيها اللغة العربية التي صدرت بطبعتها الرابعة في بيروت سنة 1980من منشورات دار الآفاق الجديدة في بيروت . وبإمكاني أن أصرّح أن الدقة في الطبع والأناة في الطرح كانتا مما يعوز هذه الطبعة العربية .

 

س. من المعروف أن أسساً أربعة اعتمدها لورنس في كتابة مؤلفه الشهير ... أتظن أنه اعتمدها بانتقائية ذات أهداف معينة ؟ أم أنها تمثل حالة اقتناع ذاتي آمن فيها بأنه قد توفرت لديه شروط الكتاب التأريخي الموثق ؟

ج. لقد ترك لورانس وراءه كتباً بلغ عددها (31) كتاباً و (50) مقالة في مواضيع شتى ، إلاّ أن " أعمدة الحكمة السبعة " تبقى رائعته الأدبية ذات الأسس الأدبية العالية ... ومركز الإثارة فيه ، أن الجوانب الفلسفية التحليلية في سبر غور حوادث التأريخ التي عاشها لورانس ، قد أعطت الكتاب تلك الأهمية البالغة . لقد كان لورانس منذ نعومة أظفاره يحلم بتأليف كتاب عملاق يضاهي به – على حد تعبيره – كتب (الأخوة كرامازوف) لدستوفسكي ، و(الحرب والسلام) لتولستوي ، و (سلامبو) لفلوبير ، و (هكذا تكلم زرادشت) لنيتشه ، و (موبي ديك) لميلفيل ، و (رحلة إلى الشرق) للامارتين .

    وبإمكاننا - نحن  الباحث – التصريح أن الأساس الذي استند إليه لورنس في منهجية كتابه يتمثل في اعتماده منهج (كتاب دوتي) عينه ، الذي صدر سنة 1888في باريس ، سنة ميلاد لورنس . فمن المعروف أن دوتي عاش في الجزيرة العربية في الفترة الزمنية 1878-1876وذكر الكثير عن المجتمع العربي الذي عاش بين ظهرانيه يومذاك .

     وقد استثمر لورانس منهج ذلك الكتاب استثماراً فعّالاً ، ليكون دليلاً له في قادم من الأيام ، فحفظه عن ظهر قلب كما ذكرت والدته في إحدى رسائلها ... ووصفته بـ (إنجيل لورنس) ، كونه الكتاب الذي بنى عليه لورانس جلّ أفكاره ، وعلى نحوٍ خاص الجزء المتعلق بالحضارة العربية. أما الأساس الثاني فتمثّل بكتاب (الحرب والسلام) لتولوستوي، كونه مؤلفاً يجّسد موقعاً فاصلاً في تأريخ روسيا القيصرية ، وأحداثاً – ظنها لورنس - تشبه إلى حدٍ بعيد ما جرى في المنطقة العربية . فهو يعرض لمواصفات حربٍ دارت رحاها خلال الفترة الزمنية 1818-1805من أجل قضية نبيلة هي الدفاع عن الوطن . ووجد لورانس في هذا الكتاب النمط الملحمي الذي أضاف إلى معلوماته نكهة من نوع خاص . ومن خلال تولوستوي بات واضحاً لدى لورانس تلك العلاقة الجدلية بين التأريخ والأدب ... إذ توصل إلى قناعة تامة مكّنته من التصريح إلى أي مدى ذلك الذي يرتكز الأدب فيه على أحداث التأريخ ووقائعه ليغني نفسه بالتجارب والأفكار المستخلصة...!

    أما الأساس الثالث ، فهو الأساس الفلسفي الذي بنى عليه لورنس عقيدته التي تتمحور في إرادة القوة ... واعتباره الإرادة قوة لا تقهر . استنتج لورنس ذلك من كتاب (هكذا تكلم زرادشت) ، فقد وجد لورنس نفسه وسط مجتمع غريب لا يستطيع تحمل معاناته ، إلا أنه لم ينجح تماماً في وضع فلسفة نيتشه موضع التطبيق ، مما حدا به إلى اختيار الإهانة الذاتية " جلد الذات " بعد فشله الذي قاده إلى العدم .     لقد طبّق لورانس فلسفة نيتشه دون دراية منه بما ستؤول إليه في النهاية ... وهكذا أراد أن يلوي ذراع حياته ... كيما تمضي على وفق ذلك السياق العقائدي . لكنه على ما يبدو لم ينجح ذلك النجاح الباهر .

            أما الأساس الرابع والأخير الذي كان عموداً مهماً من أعمدة عقيدة لورنس فهو كتاب (موبي ديك) أو (الحوت الابيض) لهيرمان ميلفيل . ان اختيار لورنس لهذه الكتب جاء عن إيمان صادق بأن ذلك سيكون عضيداً له ، سيعاونه في تأليف كتاب تأريخي أزلي باقٍ.

 

س. كيف تقوّمون الوضع النفسي للورنس أثناء تواجده ضمن المجتمع العربي - بوصفه انساناً انكليزياً – والى أي مدى كان منسجماً مع العرب...؟!

ج. لقد أحيطت شخصية لورنس بمبالغات كبيرة ومعقدة . لقد عبّر لورنس عن نفسه في "أعمدة الحكمة السبعة " ، ذاكراً عدم قدرته على العيش مع العرب لاختلافات عدّة تقف على رأسها طرائق التفكير فيما بين الجنسين ، فضلاً عن المعتقدات الدينية والعادات الفردية والتقاليد الأسرية . وكثيراً ما عبّر لورنس عن معاناته الشخصية في علاقاته مع الآخرين، وفقدان صبره وتعبه وضجره وندمه لمجيئه إلى الجزيرة العربية ، ناهيك عن انه كان لديه شعور دائم بعدم إمكانية انغماسه في المجتمع العربي ، بل كان يعمل جاهداً على التكيف مع الجو الذي هو فيه .

     وعلى نحوٍ عام قسّم لورنس الإنكليز – أبناء جنسه– من الذين يعيشون خارج بلادهم إلى فئتين كما ورد في كتابه المبحوث فيه : الفئة الأولى هي فئة مرنة وحاذقة ، تتكيف مع الزمان والمكان ، وتتبنى طرقاً في الحياة تشبه تلك الطرق التي تعيش بين ظهرانيها ، ثم هي تتعلم لغتهم وتعمل جاهدة لتسيير أولئك حسب مشيئتها . أما الفئة الثانية ، فهي فئة متمسكة بإنكليزيتها ، بل تزداد في ذلك إيغالاً كلما ابتعدت عن الجزر البريطانية ، وتحاول خلق (وطن أم) في الأمكنة التي تذهب إليها وتحيطها بهالة كبرى كيما تتبنى نظرية التعويض .

    وصنّف لورنس نفسه ضمن الفئة الأولى ... لذلك تجده وقد أصيب بانسلاخ نفسي وعاطفي حاد بعد عودته إلى بلاده ، فضلاً عن أنه كان يعاني من صراع حضاري وازدواجية في الفكر وتشتتٍ في الرأي . لقد أكد هو نفسه على إصابته بالتشقق الشخصي، إذ بدأ يشعر أن شخصيته الأولى شخصية إنكليزية ، وشخصيته الأخرى شخصية عربية. لقد كانت الشخصيتان تتصارعان بمرارة ، مرة داخلياً ، ومرة ظاهرياً ، الأمر الذي دفعه إلى الوقوع في شرك العدمية التي جعلته غير قادرٍ على إيجاد حالة إيمانية مستقرة في نفسه . الأمر ذلك قاده إلى كره نفسه وكره بني البشر على نحو عام ، فصار انطوائياً قليل الاختلاط بأعضاء المنتديات الاجتماعية والجمعيات الثقافية والسياسية .

    وقد سئل لورنس أكثر من مرة بعد عودته إلى بلاده فيما إذا كان سيعود إلى المنطقة العربية ؟ فأجاب بأنه لن يعود إلى الأبد ... لأنه – على وفق اعتقاده – يحتاج إلى سنوات طويلة كي يجد نفسه الضائعة ...!! فتلك التجربة غيّرت مجرى حياته تغييراً كاملاً .

لقد عبّر لورنس عن حالته الخاصة جداً بصورة جليّة وأساليب عدة منها رغبته في الموت وإهانته لنفسه أكثر من مرة والصراع الذي كان يعاني منه بين الروح والجسد .

حين عاد إلى إنكلترا ، كرّمه الملك جورج الخامس إلاّ أنه رفض التكريم ، قال مخاطباً الملك : إن كل ما قمت به لم يكن مشرّفاً لي شخصياً ولا للحكومة البريطانية ... لقد أصبحتُ إنساناً محطّماً وبلا هوية ...

س. كيف تبلورت ظاهرة لورنس ... وما هو أصل التسمية ... وما هي دلالاتها ..؟!

ج. يمكننا القول بشكل جازم أن توماس ادوارد لورنس هي شخصية يصعب النفاذ إلى كنهها ومغاليقها بسهولة ويسر ، كونها شخصية مفعمة بالتناقضات ، ناهيك عن عشرات التساؤلات الغامضة والمحيرة المحيطة بها ، إلاّ أن الدعاية الغربية وماكنة الاعلام الاستعمارية أضفت عليها شهرة مركزة وأكسبتها أهمية كبيرة ، وعلى نحوٍ خاص ذلك الدور التأريخي التي قامت به تلك الشخصية إبان الثورة العربية الكبرى سنة 1916.

    لقد كتب في شخصية لورنس حتى نيسان من سنة 1988ما يربو على (787  كتاباً ومقالةً) بلغات تربو على العشرين لغة ، ابتداءً من كتاب توماس لويل الصحفي الأمريكي (مع لورنس في الجزيرة العربية) المطبوع والمنشور سنة 1927، وانتهاءً بكتاب المسيو فانسومونتي (لورنس العرب) الذي صدر في باريس سنة 1988.

    لقد بنت الدعاية الغربية حول لورنس أسطورة ضخمة ، حتى غدا السامع باسمه والقارئ لأعماله ، يقدر أن يقارنه بشخصية راسبوتين الشخصية الروسية القيصرية الذي تدّخل في حياة أسرة آل رومانوف. حتى التسمية التي أطلقت عليه لورنس العرب Lawrance of Arabia  وهي تسمية غربية بحتة ، وهي جزء من الحملة الاعلامية التي رافقته منذ رحلاته الأولى إلى سورية وإلى يومنا هذا .

    صحيح أن لورنس ارتدى الزي العربي وعاش فترة من صدر شبابه في الجزيرة العربية، وتلقى دروساً في اللغة العربية في أوكسفورد ولبنان ، إلاّ أن ذلك لم يجعل لغته العربية على درجة عالية كما أشيع عنه . بل تدل اعترافات لورنس نفسه على أن لغته العربية كانت لا تعينه في كثير من الأحيان على التعبير عن مكامن قصدية دقيقة ، لكنه كان بإمكانه التفاهم على درجة من الوضوح مع الآخرين .

    ومن بين ما يقرب من ألف رسالة كتبها لورنس في كل حياته ، لم ترد سوى رسالة واحدة فقط كتبها باللغة العربية ... وهناك من يؤكد على أن هذه الرسالة كتبها يونغ بالإنابة عنه ... وهناك شواهد كثيرة في التأريخ البريطاني الحديث تثبت أن بريطانيين آخرين عاشوا في المنطقة العربية فترة من الزمن ، ومع ذلك لم يتمكنوا من إجادة اللغة العربية كتابة وقراءة ... ولعلّ غلوب باشا وجون فيلبي أفضل مثالين على ما نقول . ومهما يكن من أمر فليس لورنس إلاّ شخصية تم زجّها في عمق التأريخ كي تصبح عميلة لقوة خفية تمسك بخيوط إدارة حكم العالم يومذاك . فلو لم يكن لورنس موجوداً فإن عجلة التأريخ لم تكن لتتوقف ... بل أن الأحداث ستسير على وفق ما هو مخطط لها ... وهكذا كان ... وهكذا صار ، بل أن الأسطورة التي نسجت حوله لم تكن مبنية على دوره الفعلي الحقيقي ، بل على ما يعتقد الآخرون أنه فَعَلَهُ وأدّاه .

    والأمر الذي يسند اعتقادنا هذا ، هي تلك الطريقة المأساوية التي تمت على وفقها تصفيته نهائياً وبشكل غامض بعد أن قام بدوره كأداة مسخرة في خدمة الامبراطورية البريطانية خير قيام ...

 

 

 

 

 



*د. حسيب الياس حديد ، " لورنس بين الحقيقة والخيال " ، حوار أجراه :الدكتور  فاتح عبد السلام في جامعة الموصل ، المجلة الثقافية ، الجامعة الأردنية ، العدد (32) – عدد ممتاز – عمان ، 1994، ص ص 81-75


الكاتب: موقع الكلية
القائمة الرئيسية
 

كلمة السيد العميد
:: الرؤية والرسالة والاهداف
:: حقائق وارقام
:: هيكلية الكلية
:: الهيئة التدريسية
:: ارشيف الاخبار
:: ارشيف الصور
:: ارشيف الفديو

 
اقسام الكلية
 

:: قسم اللغة الانكليزية
:: قسم الترجمة
:: قسم اللغة الفرنسية
:: قسم الفلسفة
:: قسم اللغة العربية
:: قسم الاجتماع 
:: قسم اللغة التركية
:: قسم التاريخ
:: قسم امعلومات والمكتبات

:: قسم الاعلام

 
مختبرات الكلية
 

::  مختبرات الصوت
::  مختبرات الحاسبة
::  مختبر الانترنت

 
دراسات اكاديمية
 

:: الدراسات الأولية
:: دراسة الماجستير
:: دراسة الدكتوراه
:: الدراسات المسائية
 

 
جوائز وتكريمات
 

:: جوائز
:: تكريمات

 
دليل الكلية
 

دليل الكلية لعام 2010-2011

 
النتائج النهائية
 

 
الصفحة باللغة الفرنسية
 

واجهة جامعة الموصل لتعليم اللغة الفرنسية على شبكة الفيسبوك

Didactique du français langue étrangère – Université de Mossoul

 
الرسائل والاطاريح في كلية الاداب
 

عناوين الرسائل والاطاريح في كلية الاداب

 
روابط خدمية
 

مواقع صديقة

 
 
جامعة الموصل

  • العراق – الموصل – قرب المجموعة الثقافية
ارقام التلفونات
  • 9999999999(٠) ٩٦٤+
  • 9999999999(٠) ٩٦٤+

تبويبات رئيسية: 

روابط خدمية:

تابعنا على:
Powered by Professional For Web Services - بدعم من بروفشنال لخدمات المواقع